ابن عربي
50
الفتوحات المكية ( ط . ج )
ويظهر أمامنا ابن عربي ، خلال هذه الصفحات العديدة من « فتوحاته » ، في صورة جديدة لم نعهدها من قبل . فقد ألفناه فيما مضى « مفسراً » من طراز خاص ، يغوص في أعماق القرآن ويكشف عن بيانه ، و « متكلماً » يدقق في علم الكلام ، ويناقش قضاياه الكبرى ؛ و « فيلسوفاً » يحلق في سماء المعرفة لاكتشاف آفاق جديدة . وها هو الآن يبرز في ميدان « الفقه » ويعرض أحكامه ومسائله في حلة فريدة تميزه عن سائر فقهاء الأمصار وأئمة المذاهب الفقهية في البيئة السنية . لم يقدم ابن عربي أحكام الشريعة الإسلامية في « العبادات » من خلال زاوية معينة لأحد المذاهب المعروفة ، ولم يشرح مسائلها متبعاً الأئمة أو الفقهاء دون سواهم . لا ! لم يكن في ذلك من شئ . إنه عرض « العبادات » في الإسلام ، كمجتهد . يختار من أحكام الشريعة ما يختاره ، غير مقيد برأي فقيه معين ، ويرفض ما يراه قابلا للرفض من آراء العلماء ، غير ملتزم في رفضه إلا ما يمليه عليه الدليل الصحيح والبرهان القائم . وكذلك يظهر الشيخ الأكبر في « شرعياته » كما كان ظهر في « كلامياته » و « فلسفياته » ، حاملا لواء : « الاجتهاد المطلق » . بيد أن اجتهاد ابن عربي فريد في نوعه بالقياس إلى أئمة المذاهب الفقهية المشهورة . فهو اجتهاد قائم على نوع غريب من اتحاد الظاهر والباطن : اتحاد بين الشريعة في حدودها والتزاماتها ، وبين الحقيقة في عمقها وشمولها وإطلاقها . وهذا هو معقد الطرافة في فقه الشيخ الأكبر . وإنه لموقف عام لدى ابن عربي نلحظه لا في دائرة « الشرعيات » فقط ، بل في جميع ميادين تفكيره ونشاطه العقلي . أعني الجمع بين الشريعة والحقيقة ، بين الظاهر والباطن . فالحقيقة الوجودية ابتداءاً من المبدع الأول حتى نهاية أطوار الوجود ومظاهره ، هي محكومة بهذه الثانية الجدلية : بين ظاهر ، له قانونه ومنطقه وحكمه أيضاً . فالموقف العقلاني السليم ، عند الشيخ الأكبر ، هو في إدراك هذه الحقيقة الثابتة في جميع الميادين .